عبد الوهاب الشعراني
304
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وكان يقول : لو فتح الحق تعالى عن قلوبكم أقفال السدد لاطلعتم على ما في القرآن من العجائب والحكم والمعاني والعلوم ، واستغنيتم عن النظر في سواه فإن فيه جميع ما رقم في صفحات الوجود ، قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » . ومن فهّمه اللّه تعالى في كتابه وأعطاه تأويل كل حرف منه وما هو وما معناه وما سبب كل حرف وما صفة كل حرف وعلم المكتوب من الحروف في العلوي والسفلي والعرش والكرسي والسماء والماء والفلك والهواء والأرض والثرى . وكان يقول : إذا كان المقتدي بالشرائع والكتاب واقفا بين الأمر والنهي كان فتحه حقيقيا حتى يفك به كل مشكل ، ويحل به كل طلسم ، ويعرف به كل مبهم ، وأما إذا كان فتحه حفظ كلام وترتيب وصف مقامات فذلك ليس بفتح ، إنما هو حجاب له عن إدراك الإدراك وعن مشاهدة علوم الحق ، وليس من وصف كمن عرف وحمل ونطق بلسان العرفان . وكم من حملته العناية حتى شاهد ، ومع ذلك فلو سئل عن وصف المقامات ما وصفها ومقصودي لجميع أولادي أن يكونوا ذائقين لا واصفين ، وأن يأخذوا العلوم من معادنها الربانية لا من الصدور والطروس ، فإن القوم إنما تكلموا عما ذاقوا وقلوبهم كانت ملآنة بعطاء اللّه تعالى ومواهبه ، ففاضت منها قطرات من ماء الحياة التي فيها فانفجرت علومهم من عين عين عين عين عن حاصل ماء الحياة ، وأما الوصاف فإنما هو حال عن حال غيره وعند التخلق والفائدة لا يجد نقطة ولا ذرة من ذوق القوم وينادي عليه هذا الذي قنع بالقشور في دار الغرور ، ولقد أدركنا رجالا وأحدهم يستحي أن يذكر مقاما لم يصل إليه ولو نشر بالمناشير لم يصفه . فيا جميع أولادي إذا سألكم أحد عن التصوف مثلا أو عن المعرفة والمحبة فلا تجيبوه قط بلسان قالكم حتى يبرز لكم من صدق معاملتكم ما برز للقوم ، فيكون كلامكم عن حاصل وعن محصول ، فإذا قام أحدكم بالأوامر الدينية وصدق في العمل ترجم لسانه بالفوائد التي أثمرت من صدقه ، وكل من ادعى الصدق والإخلاص ولم يحصل عنده ثمرة الأدب والتواضع فهو كاذب وعمله رياء وسمعه ، لا يثمر له إلا الكبر والعجب والنفاق وسوء الأخلاق شاء أم أبى .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : الآية 38 .